فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
كذلك لما قال الله تعالى : * ( وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) * ( يس : 65 ) وقال : * ( اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ) * ( يس : 64 ) وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم وأحال الخير والشر عليهم ، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله ، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية ، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته ، إذا شاء أعمى البصائر ، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة ، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته ، كما أن سلب القوة الجسمية بمشيئته ، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة ، ولا يقدر على المضي والرجوع ، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار ، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية ، فقال : * ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ) * إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا ، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة ، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا ، وإنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر . وفي الآيتين أبحاث لفظية : البحث الأول : في قوله : * ( فاستبقوا الصراط ) * قال الزمخشري فيه وجوه الأول : أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط الثاني : أن يكون المراد من الاستباق الابتدار مبالغة في الاهتداء إلى الطريق ، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه ، وإنما هم عليه إذا همس الله على أعينهم لا يبصرونه ، فكيف إن لم يكونوا على الصراط . البحث الثاني : قدم الطمس والإعمار على المسخ والإعجاز ليكون الكلام مدرجاً ، كأنه قال : إن أعماهم لم يروا الطريق الذي هم عليه وحينئذ لا يهتدون إليه ، فإن قال قائل : الأعمى قد يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس ، فارتقى وقال : فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه . البحث الثالث : قدم المضي على الرجوع ، لأن الرجوع أهون من المضي ، لأن المضي لا ينبئ عن سلوك الطريق من قبل ، وأما الرجوع فينبئ عنه ، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال : لا يستطيعون مضياً ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي . * ( وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ) * فقد ذكرنا أن قوله تعالى : * ( ألم أعهد إليكم ) * ( يس : 60 ) قطع للأعذار بسبق الإنذار ، ثم لما قرر ذلك